رفيق العجم

مقدمة 30

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

الأوسط المتمثّل بالعقل الفعّال . فهنا يلوح نظام عقلي متماسك في رسم الوجود ، وتسلسل أملاه العقل والسببية . كما أن توفيق الفارابي بين أرسطو وأفلاطون أملته العقيدة الدينية ، فصاغ الجوهر الأول والجواهر العليا التي هي بمثابة العالم الإلهي على نهج أفلاطون ، وجعل الجواهر الأخرى تخضع للمجرّب والمحسوس . فإن أفضل الجواهر وأقدمها وأشرفها هي القريبة من العقل والنفس البعيدة عن الحسّ ، وهذا اتجاه أفلاطوني وهو صورة عالم الملك الديني . أما جواهر الأشخاص فهي الأولى بالتقديم ، إذ رأى أرسطو : « أن العقل ليس هو شيئا غير التجارب » « 1 » . فانطلق بهذا الاتجاه من المحسوس والمجرّب والمشخّص . وهذه الانطلاقة ليست غريبة عن بنية المعرفة العربية الخالصة وبناء اللغة العربية التي تأسّست على المحسوس المجرّب ، مثلما بدأ الفقه وأصوله بالانطلاق من الفرع لربطه بالأصل والاعتماد على الوقائع المفردة والجزء الذي لا يتجزّأ في بناء التصوّر الكلامي « 2 » . ثم إن ابن سينا المتوفى 428 ه أضاف على اتجاه الفارابي اتجاها إشراقيا تحوّل فيه من خلال الشروح على أرسطو إلى خط لا يكتفي بالتسلسل العقلي السببي في عملية الصدور ، انطلاقا من الفيض الأعلى ، بل يضيف إلى العقل الفعّال فعلا إشراقيّا يشرف على النفس ويمدّها بالمعارف الربانية ، وكذلك يظهّر المعقولات وينيرها للنفس . وهكذا انتهت المعرفة لديه إلى مبدأ سام خارج عن النفس . قيل إن هذا كان نذير بداية التصوّف الفلسفي أو إدخال الاتجاه الصوفي في الفلسفة الإسلامية . . . والأصحّ ، على الأرجح ، هو إدخال الاتجاه الإشراقي ذي النبعة الزرادشتية على الفلسفة العقلية ، والذي تجلّى في سيرورته عند السهروردي المتوفى 588 ه وآل إليه ، ولديه اكتمل الاتجاه واتّضح . وقد قيل إن الموقف التجريبي واعتماد الحسّ والتجربة والسببية لدى ابن سينا لم يكن إلا مرحلة مؤقّتة ، في نظرية المعرفة عنده ، الوظيفة منها تفصيل عملية الإدراك وقطعها منهجيّا عن أصلها الميتافيزيقي . لأن كل المعرفة الحسية وموضوعاتها تخضع لإشراق العقل الفعّال ، وليس للفيض السببي وللنهج الرتيب في الواجب والممكن . بلغت هذه الاتجاهات الفلسفية والتيارات العقلية ، التي كانت قد اختمرت ، الغزالي ، فزادت في حيرته وشكّه ، وتكاثر الرأي وتكاثفه ، وتعدّد النظريات والحقائق من حوله ، كما ذكرنا . مما دفعه إلى الحيرة والظنّ تارة ، وإلى الهجوم والردّ طورا خلال تبيانه لتهافت الفلاسفة ، وانهدام الطريق المعرفي الذي بنوه للوصول إلى الحقيقة . وفي ذلك كان قد عبّر

--> ( 1 ) الفارابي ، الجمع بين رأيي الحكيمين ، مصر 1325 ه ، ص 8 ( 2 ) راجع بالتفصيل أثر الخصوصية العربية في المعرفية الإسلامية ، المشار إليه سابقا الفصل الثاني والثالث .